ابن القلانسي
246
تاريخ دمشق
من مواد كرمه ، ثم الحمد للّه على ما يسرنا له من إعزاز الدين ، ورفع عماده ، وقمع أضداده ، واستئصال شأفة الباطنية الناهضين لعناده ، الذين استركّوا العقول الفاسدة فاستغووها بأباطيلهم ، واستهووها بأضاليلهم ، و اتَّخَذُوا ( 83 و ) دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً « 1 » ، بما لفقوه من زخارف أقاويلهم ، سيما ما سنّى اللّه من فتح الفتوح ، وهيأ أسبابه من النصر الممنوح بأخذ قلعة شاه دز التي شمخ بها الجبل وبذخ ، وكان الباطل باض فيها وفرخ ، وكانت قذى في عيون الممالك وسببا إلى التورط بالمسلمين في المهاوي والمهالك ، ومرصدا عليهم بالشرارة والنكارة ، حيثما ينحونه من المسالك ، وفيها ابن عطاش الذي طار عقله في مدرج الضلال وطاش ، وكان يري الناس نهج الهدى مضلة ، ويتخذ السفر المشحون بالأكاذيب مجلّة ، ويستبيح دماء المسلمين هدرا ، ويستحل أموالهم غررا ، فكم من دماء سفكت ، وحرم انتهكت ، وأموال استهلكت ، وترات تجرعتها النفوس فما استدركت ، ولو لم يكن منهم إلا ما كان عند حدثان أمرهم بأصفهان من اقتناص الناس غيلة ، واستدراجهم خديعة ، وقتلهم إياهم بأنواع العقوبات قتلة شنيعة ، ثم فتكهم عودا على بدء بأعيان الحشم وخيار العلماء ، وإراقتهم ما لا يعدّ ولا يحصى من محرمات الدماء ، إلى غير ذلك من هنات يمتعض الاسلام لها أي امتعاض ، وما اللّه عن المسلم أن يتميز لها براض ، لكان حقا علينا أن نناضل عن حمى الدين ، ونركب الصعب والذلول في مجاهدتها ولو إلى الصين . وهذه القلعة كانت من أمهات القلاع ، التي انقطع إليها رؤوس الباطنية كل الانقطاع ، فكان تبث الحبائل منها في سائر الجهات والأقطار ، وترجع إليها نتائج الفساد رجوع الطير إلى الأوكار في العزة والمنعة مثل مناط الشمس التي ( تنال ) « 2 » منها حاسة البصر دون حاسة اللمس ، ترد الطرف كليلا ، وتعد
--> ( 1 ) انظر سورة المائدة : 57 . ( 2 ) زيادة من مرآة الزمان - أخبار سنة 500 ه .